الدولة أولاً وأخيراً

 
الخوف والقلق من الحوثيين - وهو أمر طبيعي ومشروع- لا يجب أن ينسينا أن حاشد هي الحاضنة القبلية التي ينتمي إليها النظام السابق وأنها وفق التحليل الخلدوني تمثل العصبية العامة التي حُكمت الدولة اليمنية من خلالها منذ ما يقارب الأربعة عقود، كما لا يجب أن ينسينا أيضا أن أسرة آل الأحمر مارست على مدى عقود استراتيجية القتل الرحيم ضد الدولة، وساعدت على تقسيم اليمنيين إلى قبيلي ورعوي وفق ثنائية بغيضة كانت تعمل على الضد من مفهوم المواطنة.
 
قد نختلف في تقييم الدور الذي قام به آل الأحمر منذ فجر ثورة سبتمبر 1962 وقبلها، وفي المقابل الذي حصلوا عليه بعد أن تمكنوا من الترويج لفكرة الربط - وجودا وعدما- بينهم وبين النظام الجمهوري، وليس مهما الآن فتح نقاش في هذا الصدد، لكنني شخصيا أنصح كل من يحب آل الأحمر ويحمل المودة والتقدير لإرثهم "النضالي" أن يساعدهم في الإجابة على سؤال طالما تجنبوا الإجابة عليه إلى أن صدمتهم الحقائق بإجابة دامية عنه وهو سؤال "لماذا يكرهوننا؟"، "لماذا يتخلى اليمنيون عنا في هذه اللحظات العصيبة؟". الإجابة الأمينة على هذا السؤال قد تعود بهم إلى دائرة المواطنة السليمة، وتعيد القبيلة إلى حجمها ودورها الطبيعي كإحدى مكونات المجتمع اليمني.
 
بالطبع ليست الحوثية هي البديل عن هيمنة آل الأحمر القبلية فهي تحمل ثنائية اشد فتكا بالمجتمع اليمني (سادة - رعايا)، وتتربص بدولته الدوائر، وتمني نفسها بعودة أمجاد الأئمة، لكن يبدو من سوء حظ الحوثية أنها تأتي في وقت باتت الرؤية اليمنية للدولة فيه واضحة، وأنها مهما سابقت الزمن لإحباط مسار الدولة فإنها لن تنجح في ذلك، فالزمن والوعي المجتمعي ليس في مصلحتها، وأجد في تحركات الرئيس هادي التي تتسم بوعي تاريخي غير مسبوق مؤشرا على ذلك، وبالتالي علينا التريث في تصديق بعض ما يقال حول سيطرة حوثية وشيكة على صنعاء أو تحليلات متعجلة من هذا القبيل باتت تصم الآذان. 
 
لنساعد على تحول الحوثية إلى نهج سياسي ولتكن الإمامة مرجعيتهم الفكرية لا مشكلة في ذلك، كما أن الخلافة هي مرجعية فكرية بالنسبة للعديد من الحركات والأحزاب الإسلامية السنية. أما مستقبل التعايش الاجتماعي في اليمن فأراه يتوقف على استيعاب "صدمة التنوع" التي تفاجأنا بها في السنوات الأخيرة، بعد أن كنا كمجتمع ينظر الى نفسه بوصفه مجتمعا متجانسا وموحدا، ويخفي تنوعه كما يخفي عورته. لقد اكتشفنا مؤخرا أننا متعددون ومتنوعون بما لا يخطر على بال، ولكن هذا الاكتشاف المتأخر حدث - للأسف- دون أن يكون بحوزتنا أطر أو مؤسسات تستوعب ذلك التنوع وتجسده بصورة متوازنة. مع ذلك لدينا موروث تعايشي يعتد به ويمكن الاستفادة منه فقد عاش آباؤنا واجدادنا وفق مجموعة من القواعد التعايشية التي أفرزتها حيواتهم الاجتماعية بصورة تجريبيبة وتلقائية، منها على سبيل المثال قاعدة "يزيد ولا تزيد" التي تعني أن الجدال والنقاش بين المختلفين مذهبيا وطائفيا لا يجب أن يتجاوز يزيد بن معاوية (يزيد الفاسق) إلى الصحابة، فيتسبب ذلك في عداء وخصومة بين الطرفين. إنني أدعو الحوثيين اليوم إلى احترام تلك القواعد التعايشية والحفاظ عليها والإخلاص لها، كما أدعو نفسي وغيري إلى تقبل وجود الحوثيين بمعتقداتهم وأفكارهم على قاعدة التفهم والتسامح في وطن يتسع للجميع.
 
رسائل ونصائح سريعة:
 
- إلى الرئيس هادي: تعاملك مع حرب الحوثيين وآل الأحمر يبعث على الاطمئنان، ويغري على القول بأنك تعرف طريق الدولة جيدا وأنك عازم على السير في خطها دون حيدة، فاثبُت على ذات الطريق، وإذا كانت ثمة تسوية لتلك الحرب اللعينة فاحرص على أن تكون الدولة ومشروعها هي الرابح لا الخاسر فيها.
- إلى التجمع اليمني للإصلاح : قلنا هامسين في أكثر من مناسبة ينبغي فض العلاقة بين المشروع الإسلامي وبين المكوني القبلي - المشيخي، وقلنا أن المشروع الإسلامي في اليمن مطمور بالقبيلة ومدفون تحت طبقة سميكة من الغبار، ربما آن أوان التحول إلى حزب مدني إسلامي يعتمد على قاعدة شعبية مدنية لا على مراكز قوى، طريقه الديمقراطية، وقاعدته المواطنة المتساوية والإخاء، وغايته إقامة الدولة العادلة.
 
إلى لجنة الأقاليم : ربما بات ضروريا البحث في تغيير موقع العاصمة الإتحادية وفتح المجال للرؤى والتصورات العلمية كي تتنافس في هذا المضمار.
إلى أهلنا في مناطق الحروب القبلية: يعز علينا ويؤلمنا سقوط الأبرياء وندعو لهم بالرحمة والمغفرة، وأن يجنبكم الله كل الشرور الحروب، لكن ما يحدث يمثل فرصة للقطع بصورة نهائية مع ثقافة السلاح، بعد أن ثبت أن السلاح لا يجلب الاستقرار وإنما المزيد من الحروب.
 
والله من وراء القصد
 
للإشتراك في قناة ( اليوم برس ) على التلغرام على الرابط https://telegram.me/alyompress


اقرأ ايضا :
< تونس تؤكد مقتل المتهم الأول بالاغتيالات
< تهجير سلفيي اليمن.. الانطلاق نحو الطائفية
< عمران : المحافظ يدحض أكاذيب بعض وسائل الإعلام حول هروبه من المحافظة ، ويشدد على وقوف جميع أبناء المحافظة في وجه أصحاب الأفكار الظلامية ( صور)
< مجلس الأمن يجري مشاورات لبحث صياغة قرار دولي بشأن اليمن
< هادي : ستكون هنالك صلاحيات كاملة للأقاليم والدستور سيتضمن أن الشريعة الإسلامية مصدر كل السلطات
< الحديدة : عمال النظافة ينفذون وقفة إحتجاجية مطالبين بمستحقاتهم وعودة المدير السابق الذين قاموا هم بتغييره
< الحديدة : عمال النظافة ينفذون وقفة إحتجاجية مطالبين بمستحقاتهم وعودة المدير السابق الذين قاموا هم بتغييره

اضف تعليقك على الفيس بوك
تعليقك على الخبر

ننبه الى ان التعليقات هنا تعبر عن كاتبها فقط ولا يتبناها الموقع، كما ننبه الى ان التعليقات الجارحة او المسيئة سيتم حذفها من الموقع
اسمك :
ايميلك :
الحد المسموح به للتعليق من الحروف هو 500 حرف    حرف متبقى
التعليق :
كود التحقق ادخل الحروف التي في الصورة ما تراها في الصورة: