كيف انتصرت روسيا على أميركا في سوريا؟

 
مرت المنافسة المحتدمة بين روسيا والولايات المتحدة على الأرض السورية بالعديد من المراحل، سعت خلالها القوتان العظمتان إلى توسيع نفوذهما بشتى الوسائل.
واحتدمت المعارك في مدينة حلب شمالي سوريا، ذات الموقع الاستراتيجي المهم، بين قوات النظام السوري والمعارضة السورية، بشهر يوليو 2012.
وبالرغم من قوة هجوم المعارضة، فقد استطاعت قوات النظام مسنودة بالطائرات، من تدمير المدينة كمرحلة أولى، والزج بعد ذلك بالقوات البرية.
وترافقت تلك المعارك بشعور عدد من الفصائل المسلحة المعارضة بالضعف والإرهاق، بعد عام من الصراع الشرس ضد قوات الرئيس بشار الأسد.
وخلف الكواليس، ساندت روسيا وأميركا جانبين مختلفين، فالاستخبارات المركزية الأميركية كانت تخطط لإنقاذ المعارضة، وقد أشارت تقارير أمنية إلى أن أسلحة كانت في طريقها للقوات المدعومة من واشنطن في صيف 2012، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية.
وأذن الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما بدعم المعارضة في ذلك الصيف، بما في ذلك توفير التدريبات العسكرية. 
وهكذا كانت الكلمة العليا في سوريا لواشنطن، في الوقت الذي كان فيه النظام، حليف روسيا، يترنح على وقع الخسائر التي يمنى بها.
وفي أغسطس 2013، شنت قوات النظام هجوما بالغاز السام في منطقة الغوطة، أسفر عن مقتل المئات، مما جعل الولايات المتحدة أكثر حماسة لتوجيه ضربات جوية للجيش السوري، إلا أن تدخل الدب الروسي لإنقاذ النظام حال دون ذلك.
ومنعت روسيا في مجلس الأمن الدولي إدانة النظام السوري، بينما طرح وزير خارجيتها سيرغي لافروف اقتراحا بتشكيل لجنة دولية للإشراف على مخزونات الأسلحة الكيماوية لدى الحكومة السورية تجنبا للضربات الجوية.
وشيئا فشيئا، ساعد الروس النظام السوري بشكل مكثف في الفترة الواقعة بين خريف 2013 وربيع 2014، بالتزامن مع تنامي الدعم الإيراني الذي تمثل بإرسال آلاف المقاتلين، ومشاركة ميليشيات حزب الله اللبناني في الحرب الدائرة.
وفي المقابل، حصلت المعارضة على دعم غربي ومساندة من تركيا، إلا أنها كانت تواجه تحديا كبيرا تمثل بعدم توحد صفوفها، وانتشار الفساد، إذ أشارت تقارير إلى أن مئات الملايين من الدولارات التي أرسلت لقوات المعارضة في عام 2015 قد تبخرت.
وقدمت الجماعات المدعومة من جانب واشنطن مقاتلين بأعداد متواضعة، لكنهم تميزوا بالفعالية العالية، في حين كانت غالبية المقاتلين على الأرض من المتشددين أمثال أولئك الذين ينتمون لأحرار الشام، وجبهة النصرة التي تمثل النسخة السورية لتنظيم القاعدة الإرهابي.
وبالموازاة مع ذلك، بسط تنظيم "داعش" الإرهابي نفوذه في شرقي سوريا بوادي الفرات، مع استقطاب أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب، واستعراض قوته عبر تنفيذ عمليات خطف بحق صحفيين وأجانب، وتنفيذ عمليات إعدام وحشية سنة 2014.
وأصبح "داعش" بذلك الهدف الرئيسي للولايات المتحدة، لتخوفها من أن يتحول دعمها للمعارضة إلى وحش متطرف يزرع الفوضى في المنطقة.
ومع هذه المتغيرات، عدلت واشنطن في عام 2014 من استراتيجيتها، حيث تحولت من محاربة النظام السوري لمحاربة "داعش"، وتشكيل تحالف يضم 70 دولة، كذلك عملت بقوة على الملف الإيراني، وسط تحذيرات للإدارة الأميركية بتعاظم النفوذ الإيراني بسوريا.
 
روسيا تستغل الوضع :
 
أما روسيا، فكانت المستفيد الأول من ذلك الوضع، إذ بدأت بتوجيه ضربات جوية في سبتمبر من عام 2015، أدانها وزير الدفاع الأميركي آنذاك آشتون كارتر، واصفا إياها بـ"صب الزيت على النار"، ومضيفا أن روسيا قصفت إلى جانب الإرهابيين جماعات معارضة تسعى إلى تحقيق انتقال سياسي للسلطة.
وكان للتدخل الروسي في الحرب السورية نتائج فورية، حيث تخلت المعارضة عن حمص وسط سوريا بعد هدنة في ديسمبر 2015، كما عملت موسكو وأنقرة في ديسمبر 2016 للتوصل إلى هدنة شاملة في سوريا.
وفي يناير 2017، اجتمعت روسيا وتركيا وإيران في أستانة لعقد مباحثات قادت إلى وقف محدود لإطلاق النار، وإقامة مناطق وقف التصعيد بشهر مايو في جنوب ووسط وشمال سوريا.
وشكل تحرير مدينة تدمر وسط سوريا في مايو 2017 بغطاء جوي روسي، انتصارا جديدا لموسكو، بينما وجهت واشنطن تركيزها أكثر لشرقي سوريا بدعم المقاتلين الأكراد الذين يواجهون تنظيم "داعش".
وبحلول عام 2016، دعمت الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية التي حررت مناطق في سوريا مثل منبج، في أغسطس 2016.
ومع توسع رقعة عمليات قوات سوريا الديمقراطية، زاد قلق الأتراك، وبدأت أنقرة بتوجيه اتهامات لواشنطن بدعم "إرهابيين" مرتبطين بتنظيم حزب العمال الكردستاني.
ولم تكترث واشنطن للانتقادات التركية، وواصلت دعمها حتى تم تحرير الرقة، عاصمة تنظيم "داعش" الإرهابي في أكتوبر 2017.
 
وجها لوجه :
 
في نهاية المطاف، أصبحت القوات الأميركية والروسية وجها لوجه شرقي نهر الفرات بالقرب من دير الزور.
ولاختبار مدى الالتزام الأميركي، شن مقاتلون تابعون للحكومة السورية وجنود روس هجوما في منطقة الفرات بفبراير 2018، وردت أميركا بقصف جوي أوقع قتلى بين صفوفهم، في رسالة مفادها وقوف أميركا بحزم إلى جانب شركائها في سوريا.
وعقب هذه المعركة، أعادت روسيا قراءة الواقع على الأرض، فوجدت أنها تستطيع التفوق على أميركا بمناطق أخرى في سوريا، وخصوصا بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب عن إنهاء دعم الولايات المتحدة للمعارضة في يوليو 2017.
وبفضل هذا التغيير، تمكن النظام المدعوم من روسيا من السيطرة على العديد من مناطق النظام في جنوب سوريا وحول العاصمة دمشق.
 
تفوق روسي :
 
وبغياب الولايات المتحدة، وقعت كل من روسيا وتركيا في سبتمبر 2018، اتفاق إدلب الذي يقضي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في المحافظة التي تعد المعقل الأخير للمعارضة في سوريا.
وقررت لاحقا كل من روسيا وإيران وتركيا الاجتماع في جنيف لمناقشة الدستور السوري، مما أظهر انتصار روسيا على الولايات المتحدة ليس على الأرض السورية فحسب، وإنما في المضمار الدبلوماسي أيضا.
وتقاربت موسكو أكثر من أنقرة، حليفة الولايات المتحدة، مستفيدة من غضب تركيا لدعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية، فضلا عن تعزيز تعاونها مع إيران.
واليوم يترك ترامب الساحة السورية بالكامل لروسيا بإعلانه سحب قوات بلاده بالكامل من سوريا تحت بند "الإيفاء بتعهد قطعه خلال حملته الانتخابية".
وقال ترامب، الخميس في سلسلة تغريدات على موقع "تويتر": "الخروج من سوريا لم يكن مفاجئا. أطالب به منذ سنوات، وقبل 6 أشهر، عندما عبرت علنا عن رغبتي الشديدة في فعل ذلك، وافقت على البقاء لمدة أطول".
وتابع: "روسيا وإيران وسوريا وآخرون هم العدو المحلي لتنظيم داعش. نحن نؤدي عملهم. حان الوقت للعودة للوطن وإعادة البناء".
وأضاف: "هل تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تصبح شرطي الشرق الأوسط وألا تحصل على شيء سوى بذل الأرواح الغالية وإنفاق تريليونات الدولارات لحماية آخرين لا يقدرون، في كل الأحيان تقريبا، ما نقوم به؟ هل نريد أن نظل هناك للأبد؟ حان الوقت أخيرا لأن يحارب آخرون".
 
للإشتراك في قناة ( اليوم برس ) على التلغرام على الرابط https://telegram.me/alyompress


اقرأ ايضا :
< أبرز ماجاء في قرار مجلس الأمن حول اليمن والمداولات التي جرت حوله
< وزير الاقتصاد السعودي : النظر في رسوم الوافدين ممكن.. في هذه الحالات
< 5 طرق طبيعية للتخلّص من حصى الكلى
< أمين عام الأمم المتحدة يتسلم اوراق اعتماد مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة
< تعرف على المواطنة التي أسقطت مصر عنها الجنسية
< مسؤول سوداني : ارتفاع أعداد القتلى في احتجاجات القضارف إلى 8
< الإعلان عن كمية الغاز المنزلي التي وصلت العاصمة صنعاء للبدء بتوزيعها

اضف تعليقك على الفيس بوك
تعليقك على الخبر

ننبه الى ان التعليقات هنا تعبر عن كاتبها فقط ولا يتبناها الموقع، كما ننبه الى ان التعليقات الجارحة او المسيئة سيتم حذفها من الموقع
اسمك :
ايميلك :
الحد المسموح به للتعليق من الحروف هو 500 حرف    حرف متبقى
التعليق :
كود التحقق ادخل الحروف التي في الصورة ما تراها في الصورة: